جيرار جهامي ، سميح دغيم
914
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
الأمصار ويستجلبونه منهم بأعواضه وقيمه ، فيكون لهم بذلك حظ من الغنى . . . . ( ابن خلدون ، المقدمة 2 ، 871 ، 13 ) . * في الفكر الحديث والمعاصر - الحاجة من شأنها أن تقود المحتاج طبعا إلى الحصول على ما مسّت إليه ، كما نرى في أصل الفطرة وكيف قيد كلّ نوع إلى التماس ما فطر محتاجا إليه في قوامه وكماله النوعي . وهذا الفريق وإن امتاز عن الأول بما تقدّم من عروض فرحه في عرض آلامه ، ولكن قد يعرض له ما يزيده كدرا وحزنا بما يراه بمرآة خاطره من نوازل الاستقبال ، وموانع الإصلاح . فإنّ الإنسان وإن نبهته الحوادث وكشفت له الحجاب عن أسباب نزولها ، ودعته الحاجة بعد ذلك إلى لمّ شعثه ، ورقع ثوبه ، إلّا أنّه قد يفقد الاستعداد ويحزم الأسباب والوسائل ، فلا يستطيع إلى الإصلاح سبيلا . ولا سيّما إذا خيف من اضمحلال العصبيّة ، والوقوع في العبوديّة ، كما جرى على كثير من الأمم التي أخذت في إحدى تينك الحالتين ، فصارت أثرا بعد عين . ( أديب إسحق ، الدرر ، 59 ، 14 ) . - عند الماديين التاريخيين إن « الحاجة » هي مصدر الآداب والفنون والمعارف والعلوم ، ولا استثناء في هذه القاعدة للرياضيات ولا للفلسفة والعلوم النظرية . فالإنسان لا يفكّر في شيء ، ولا يحلم بشيء ، ما لم يكن مبعثه الحاجة إلى مطالب المعيشة ، ولا تتطوّر الآداب والمعارف جميعا إلّا وفاقا لحالة المجتمع في هذه المطالب المعيشية ، وتحكمها كلها في النهاية وسائل الإنتاج . وليس في المجتمع الإنساني معرفة لم تصدر من حاجة معيشته ، غير أن المجتمع ينظّم هذه المعرفة في تركيبين متصاحبين : أساسي ويشمل الحاجات التي تأتي من علاقة الإنسان مباشرة بالطبيعة ، والتركيب الآخر يسمّونه « بالتركيب الأعلى » ويشمل الحاجات التي تتولّد من علاقة الإنسان بالإنسان في المجتمع ، وهذه تحتوي فيها مطالبه الأدبية والفنية ومطالب الثقافة الإنسانية على الإجمال . ( العقاد ، الشيوعية في الإسلام ، 253 ، 2 ) . * تعليق * في العلوم الاجتماعية والسياسية - الحاجة كمفهوم اجتماعي أمر طبيعي في الإنسان نظرا إلى تركيبته البيولوجية والطبائعية . فالناس مركّبة على هيئة بحيث أنها لا تستطيع أن تؤمّن قوامها بذاتها نظرا لما يحتاج إليه من تعدّد حاجات . وقد تقلّ الحاجات إلى أدناها في المجتمعات التقليدية البدائية ، لكنها تنعقد وتتشابك وتكثر مع تطوّر المجتمعات من بدائية بسيطة إلى معقّدة صناعية تجارية . ولا يخفي الماوردي ، كغيره من الفلاسفة ، اعتبار الإنسان مطبوعا على صفة الاحتياج لأنه مطبوع على صفة العجز أيضا . فلولا العجز لما حصل الاحتياج ، ولمّا كان الإنسان لا يستطيع أن يستقلّ بنفسه عن أبناء جنسه ، كان لا بدّ له من الاحتياج إليهم ، فيلزم عن ذلك الترافد والاجتماع والتعاون .